محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كتابنا هذا على أن الكافر في كلام العرب هو الساتر شيء بغطاء ، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا لجحوده آلاءه عنده ، وتغطيته نعماءه قبله فمعنى قوله إذا : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أعدت النار للجاحدين أن الله ربهم المتوحد بخلقهم وخلق الذين من قبلهم ، الذي جعل لهم الأَرض فراشا ، والسماء بناء ، وأنزل من السماء ماء ، فأخرج به من الثمرات رزقا لهم ، المشركين معه في عبادته الأَنداد والآلهة ، وهو المتفرد لهم بالإِنشاء والمتوحد بالأَقوات والأَرزاق . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد ، عن ابن عباس : أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر . القول في تأويل قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أما قوله تعالى : وَبَشِّرِ فإنه يعني : أخبرهم . والبشارة أصلها الخبر بما يسر المخبر به ، إذا كان سابقا به كل مخبر سواه . وهذا أمر من الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبماء جاء به من عند ربه ، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة ، فقال له : يا محمد بشر من صدقك أنك رسولي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي ، وحقق تصديقه ذلك قولا بأداء الصالح من الأَعمال التي افترضتها عليه وأوجبتها في كتابي على لسانك عليه ، أن له جنات تجري من تحتها الأَنهار خاصة ، دون من كذب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك ، ودون من أظهر تصديقك وأقر بأن ما جئته به فمن عندي قولا ، وجحده اعتقادا ولم يحققه عملا . فإن لأَولئك النار التي وقودها الناس والحجارة معدة عندي . والجنات جمع جنة ، والجنة : البستان . وإنما عني جل ذكر بذكر الجنة ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها ، فلذلك قال عز ذكره : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لأَنه معلوم أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبر عن ماء أنهارها أنه جار تحت أشجارها وغروسها وثمارها ، لا أنه جار تحت أرضها ؛ لأَن الماء إذا كان جاريا تحت الأَرض ، فلا حظ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه . على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير أخاديد . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا الأَشجعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة ، عن مسروق ، قال : نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها ، وثمرها أمثال القلال ، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى ، وماؤها يجري في غير أخدود . وحدثنا مجاهد ، قال : حدثنا يزيد ، قال : أخبرنا مسعر بن كدام ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي عبيدة بنحوه . وحدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا ابن مهدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبي عبيدة ، فذكر مثله . قال : فقلت لأَبي عبيدة : من حدثك ، فغضب وقال : مسروق . فإذا كان الأَمر كذلك في أن أنهارها جارية في غير أخاديد ، فلا شك أن الذي أريد بالجنات أشجار الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها ، إذ كانت أنهارها تجري فوق أرضها وتحت غروسها وأشجارها ، على ما ذكره مسروق . وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جارية تحت أرضها . وإنما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عباده في الإِيمان وحضهم على عبادته ، بما أخبرهم أنه أعده لأَهل طاعته والإِيمان به عنده ، كما حذرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعد لأَهل